الشيخ محمد رشيد رضا
650
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الافعال شذوذا ، وهي تأتي بمعنى فاعل كقدير وبمعنى مفعول كمقتيل ، وهو هنا بمعنى الفاعل أو الصفة المشبهة والمعنى على اختلاف التقدير - ان اللّه هو الذي بدع السماوات والأرض ؛ أو البديع سماواته وأرضه بما كان من ابداعه واختراعه لهما ، أو البديع فيهما بمعنى انه لا شبيه له ولا نظير فيهما ، وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض ولم يوصفا بكونهما من ولده فكذلك الملائكة ، وأولى بهذا وأجدر أن يكون خلقه للمسيح من أم بغير أب غير مسوغ لجعله ولدا له إذ قصارى ذلك أن يكون إبداعا ما ، والابداع التام وهو ايجاد ما لم يسبق له نظير في ذاته ولا في وصفه ولا في سببه - ان كان له سبب - ليس ولادة ، وأثر هذا الابداع وهو المبدع لا يسمى ولدا ، إذ الولادة ما كان ناشئا عن ازدواج بين ذكر وأنثى من جنس واحد وليس له تعالى جنس فيكون له منه زوج ولذلك قال أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ أي كيف يكون له - وهو المبدع لكل شيء - ولد والحال انه لم يكن له زوج ينشأ الولد من ازدواجه بها ولا معنى للولد الا ما كان كذلك ، وانما صدور جميع الكائنات السماوية ولارضية عنه صدور ايجاد ابداعى للأصول الاوالي ، وايجاد سببي كالتوالد بينها بحسب سننه في التولي ، ولذلك قال وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خلقا ولم يلده ولادة فما خرقتم له من الولد مخلوق له لا مولود ، فان خرجتم عن وضع اللغات وسميتم صدور المخلوقات عنه ولادة فكل ما في السماوات والأرض يكون من ولده وحينئذ يفوتكم ما أردتم من تخصيص بعض المخلوقات بهذه المرتبة تفضيلا لها على غيرها ، ولا يقول أحد منهم بهذا . وهذه الجملة استئنافية مقررة لانكار نفي الولد ، أو حال بعد حال ، واستدلال بعد استدلال ، ومثلها قوله وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وبيانه ان علمه بكل شئ ذاتي له ، ولا يعلم كل شئ الا الخالق لكل شئ ( أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟ ) ولو كان له ولد لكان هو أعلم به ولهدى العقول اليه بآيات الوحي ودلائل العلم ، ولكنه كذب الذين خرقوه له بغير علم ، بالوحي المؤيد بدلائل العقل ، قال البيضاوي : وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه ( الأول ) انه من مبدعاته السماوات والأرضون وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو